ابن ميثم البحراني
288
شرح نهج البلاغة
الْعَذَابِ - وجَرَّعُوهُمُ الْمُرَارَ فَلَمْ تَبْرَحِ الْحَالُ بِهِمْ فِي ذُلِّ الْهَلَكَةِ وقَهْرِ الْغَلَبَةِ - لَا يَجِدُونَ حِيلَةً فِي امْتِنَاعٍ ولَا سَبِيلًا إِلَى دِفَاعٍ - حَتَّى إِذَا رَأَى اللَّهُ جِدَّ الصَّبْرِ مِنْهُمْ عَلَى الأَذَى فِي مَحَبَّتِهِ - والِاحْتِمَالَ لِلْمَكْرُوهِ مِنْ خَوْفِهِ - جَعَلَ لَهُمْ مِنْ مَضَايِقِ الْبَلَاءِ فَرَجاً - فَأَبْدَلَهُمُ الْعِزَّ مَكَانَ الذُّلِّ والأَمْنَ مَكَانَ الْخَوْفِ - فَصَارُوا مُلُوكاً حُكَّاماً وأَئِمَّةً أَعْلَاماً - وقَدْ بَلَغَتِ الْكَرَامَةُ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَا لَمْ تَذْهَبِ الْآمَالُ إِلَيْهِ بِهِمْ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةً - والأَهْوَاءُ مُتَّفَقَةً والْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً - والأَيْدِي مُتَرَادِفَةً والسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً - والْبَصَائِرُ نَافِذَةً والْعَزَائِمُ وَاحِدَةً - أَلَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الأَرَضِينَ - ومُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ - فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ - حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وتَشَتَّتَتِ الأُلْفَةُ - واخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ والأَفْئِدَةُ - وتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ - وقَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ - وسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ - وبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ - عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنْكُمْ فَاعْتَبِرُوا بِحَالِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ - وبَنِي إِسْحَاقَ وبَنِي إِسْرَائِيلَ ع - فَمَا أَشَدَّ اعْتِدَالَ الأَحْوَالِ وأَقْرَبَ اشْتِبَاهً الأَمْثَالِ -